باسم الله الرحمان الرحيم

و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين

 

 

أيتها السيدات ، أيها السادة؛

         أود في البداية أن أبلغكم تحيات السيد وزير الداخلية و الجماعات المحلية الذي يلح على تثمين المجهودات المبذولة من قبل كافة إطارات و مستخدمي الإدارة المحلية ،  حاثا إياهم على التجنَد أكثر والمثابرة في هذا الظرف الخاصَ  الذي يتطلَب تعبئة كلَ القوى الحيَة للمجتمع .

         إن الانتخابات التَشريعية المقبلة  تكتسي أهميَة خاصة  و تعدَ منعطفا حاسما  و تحوَلا سياسيا هامَا  في مجال تعميق المسار الدَيمقراطي ،  يدفع به نحو آفاقٍ واعدة .

         هذه الأهمية الخاصَة  تبررها جملة من الاعتبارات  و الحقائق:

أوَلا: تعدَ الانتخابات التَشريعية أول تعبير انتخابي للإصلاحات السَياسية التي قررها فخامة السيد رئيس الجمهورية  في مضمون خطابه إلى الأمَة يوم 15 أفريل 2011 .  

ثانيا: هذا الموعد الانتخابي  يأتي مباشرة بعد صدور قانون الانتخابات الجديد  و قد جاء هذا القانون بالعديد من التحسينات النوعية  الغاية منها:   الشَفافية الكاملة،  الحياد التامَ للإدارة،  ومراقبة أكثر صرامة لعمليات التَصويت،  وذلك بإحداث ميكانيزمين  أحدهما للرقابة القضائية  والثاني للرقابة السياسية.

ثالثا: يتعلق الأمر كذلك بانتخاب مجلس شعبي وطني،  ستقع على عاتقه مهمة النظر في مشروع الدستور الجديد.  

رابعا: تعدَ هذه الانتخابات  فرصة متجدَدة  لتغيير نوعي و عميق في مجال المشاركة في الانتخابات  و الانفتاح السياسي.

و قد دعا فخامة السيد رئيس الجمهورية في خطابه بمدينة أرزيو يوم 23 فيفري 2012،  إلى التجنَد العام  من أجل مشاركة واسعة في الانتخابات  و قد حثَ الأحزاب السَياسية  على اقتراح برامج مفيدة   و مترشَحين أكفاء  و جديرين بالثقة  مرجَحا تشبيب النخبة السياسية  و تعزيز دور المرأة في الحياة السَياسية للبلاد .

أيَتها السيدات ، أيَها السادة؛

     لوضع هذه الانتخابات التَشريعية في سياقها،  يجدر بنا العودة إلى ماض قريب   كانت البلاد تواجه فيه تحدَيات هامة  أبرزها التحدَي الأمني  المتمثَل في استرجاع السلم والأمن،  و التحدَي الاقتصادي   لإخراج البلاد من المديونية والركود الاقتصادي.

لهذا الغرض  فإنَ الإصلاحات التي جاء بها فخامة رئيس الجمهورية   ليست  عملا منعزلا  وإنَما تندرج ضمن مسار  يرمي للتكفَل بالوضعية التي كانت سائدة في البلاد  وتعميق المسار الديمقراطي.

ومن هذا المنطلق؛

فإنَ برنامج فخامة رئيس الجمهورية  مبني على أربعة (04) ركائز  أساسية ومتكاملة:

  1. تدعيم المصالحة الوطنية
  2. إنعاش التَنمية المحلية و الاجتماعية  والاقتصادية
  3. تعميق المسار الدَيمقراطي و الانفتاح السَياسي  و ترسيخ دولة الحق والقانون .
  4. الرَجوع بالجزائر إلى المحافل الدَولية بواسطة دبلوماسية قويَة.

و في هذا الإطار  تمَ:

-          تدعيم السَلم  والأمن  بفضل تجسيد سياسة المصالحة الوطنية،

-          تنفيذ ثلاث (03) مخططات تنموية  مكَنت من  تدارك العجز المسجل في المنشآت الاجتماعية والاقتصادية.  

 ويجدر التَنويه في هذا الإطار  بأنَ الدَولة قد رصدت  خلال الفترة ما بين 1999 و 2009 حوالي 19.646 مليار دينار جزائري (246 مليار دولار)   و برنامج خماسي آخر يوجد الآن في طور الإنجاز بمبلغ إجمالي يقدَر بـ 21.214 مليار دج (291 مليار دولار)  .

         وتتويجا لكل هذه المجهودات  فقد قرَر فخامة السيَد رئيس الجمهورية وضع حيَز التَنفيذ إصلاحات سياسية كبرى  ضمن منهجية تشاركية  تهدف إلى تعميق المسار الديمقراطي .  

         في هذا الإطار  وخلال الأشهر الأخيرة  عملت وزارة الداخلية والجماعات المحلية  بتجنيد تام على إعداد خمسة (05) قوانين  تشكل صلب الإصلاحات السياسية و المؤسساتية ،  ويتعلَق الأمر بـ:

  1. قانوني البلدية والولاية؛
  2. القانون المتعلق يالجمعيات؛
  3. القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية؛
  4. القانون العضوي المتعلق بالإنتخابات.

         أولا، قانوني البلديَة و الولاية  شكَلت مبادئ اللاَمركزية  وعدم التَمركز  و كذا الدَيمقراطية التَشاركية  أهم محاور إصلاح العلاقة بين الدَولة و الجماعات المحليَة  وذلك بإعطاء صلاحيات و مسؤولية أكبر على المستوى المحلَي  وتوضيح للعلاقة بين الإدارة و الهيئات المنتخبة،  وذلك من خلال تكريس  "مبدأ عدم التَركيز  في خدمة اللاَمركزية"  وتقوية العمل التَشاوري.

         ثانيا، قانون الجمعيات  حيث تم تبنَى مبدأ المشاركة  والانفتاح  والسَياسات الجوارية  من أجل تنظيم أفضل للمجتمع  وتوفير الظَروف الملائمة لإرساء دعائم مجتمع مبادر  و نشط  من شأنه أن يرافق مجهودات السَلطات العمومية في مجال التنمية،  وكذا ترقية الحسَ المدني والمواطنة.  

         ثالثا، القانون المتعلق بالأحزاب السياسية  الذي جاء تعبيرا  لإرادة القاضي الأوَل للبلاد  و تطلَعه لتمثيل أوسع لمختلف شرائح المجتمع  ومحاربة كل أشكال التهميش،  و ذلك من خلال توسيع نطاق التعدَدية الحزبية  وتجديد النخب السَياسية  و جذب كفاءات جديدة تسمح بمشاركة سياسية أوسع.

وتجدر الإشارة في هذا الشَأن إلى أنَه تمَ اعتماد  21 حزبا سياسيا جديدا  من بينهم من تقدَم بملفَات ترشَح  على مستوى عدة ولايات.  

         رابعا وأخيرا،  القانون العضوي الجديد  للانتخابات  الذي جاء ليكرَس بقوَة  و وضوح  مبادئ الحياد و الشَفافية  ، معتمدا جملة من التدابير  ترمي لتحقيق عدَة أهداف،  على مختلف الأصعدة:

  1. الالتزام بالحياد؛
  2. تحري الشفافية؛
  3. تقديم ضمانات كافية وتدعيم الهيآت الرقابية؛
  4. توسيع التمثيل وزيادة عدد المقاعد الانتخابية.

أولا على صعيد الحياد:

-          تحديد مسؤوليات مختلف المتدخَلين  في العملية الإنتخابية  مع تجريم كل الأعمال غير القانونية  التي من شأنها المساس بسلامة المسار الانتخابي  والالتزام بحياد أعوان الإدارة.  

ثانيا على صعيد الشَفافية:

-           تدعيم ووضع جملة من الضَمانات  و الإجراءات  المعزَزة لشفافية العمليات الانتخابية  لاسيما تسليم محاضر الفرز و القوائم الانتخابية قصد مراقبتها.  

1-                على صعيد الضَمانات والهيْآت الرَقابية:

-          تعزيز وسائل و هياكل المراقبة  مع تخويلها صلاحيات واسعة في مجال الإشراف  والمراقبة وذلك بإحداث

  1. لجنة وطنية للإشراف على الانتخابات مشكَلة حصريا من قضاة
  2. ولجنة وطنية لمراقبة الانتخابات،

وذلك بفروع محليَة  على مستوى الولايات  والبلديات (بالنسبة للجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات).

من جهة أخرى  فقد أوكلت رئاسة كل اللَجان الإدارية الانتخابية  لقضاة  قصد الإشراف على تطهير القوائم الانتخابية.  

2-                على صعيد توسيع التَمثيل  وزيادة عدد المقاعد الانتخابية:  

1)     التَشجيع على تشبيب تشكيلة المجالس المنتخبة  بفتح المجال أمام الشَباب لدخول المعترك الانتخابي  في كلَ المجالس المنتخبة.

  • بالنسبة للمجالس الشَعبية الولائية والبلدية،  المجال مفتوح  للشَباب البالغ من العمر  على الأقلَ 25 سنة؛
  • بالنَسبة للمجلس الشَعبي الوطني تمَ تخفيض السنَ القانوني الأدنى  للترشَح من 28 إلى 25 سنة؛
  • بالنَسبة لمجلس الأمَة، فقد تمَ خفض السنَ القانوني الأدنى  من 40 إلى 35 سنة.  

2)     زيادة عدد المقاعد الإنتخابية  في المجالس الشَعبية البلدية  والمجلس الشعبي الوطني حيث:

  • أصبح عدد المقاعد بالمجالس الشعبية البلدية  يتراوح ما بين  13 إلى 43 مقعد  عوض 07 إلى 33 مقعد.
  • وأصبح عدد المقاعد بالمجلس الشعبي الوطني  462 مقعد  عوض 389 مقعد.

3)     توسيع التَمثيل النَسوي  ضمن قوائم المترشَحين  والمجالس المنتخبة،  التي ستتضمَن على الأقل:

  • 30% في المجالس المنتخبة التي تتشكَل من 5 مقاعد أو أكثر؛
  • 35% في المجالس المنتخبة التي تتشكَل من 14 مقعد أو أكثر؛
  • 40% في المجالس المنتخبة التي تتشكَل من 32 مقعد أو أكثر؛
  • 50% من المقاعد المخصَصة للجالية الجزائريَة بالمهجر؛

أيَتها السيَدات ، أيَها السَادة؛

         بناء على كلَ ما سبق  فليتَضح للجميع  أنَ الإدارة لم تصبح اليوم المتدخَل الوحيد  في قيادة العمليات الانتخابية  وهو أمر يجب التعامل معه بإيجابية،  إنَ مهامَ الهياكل الإدارية حدَدها القانون بوضوح  و هي تتمثَل في  تأطير  و مرافقة العمليَات الانتخابية  لضمان سيرها الحسن  مع السَهر على الاحترام الصَارم للقوانين  و النَظم المعمول بها. و بالتَالي  فعليكم جميعا التحلَي بروح المسؤولية  و تحرَي الحياد  و الشَفافية  مع تقديم العون اللاَزم لمختلف المتدخَلين  من أحزاب سياسية  و مرشَحين  وسلطة قضائية  والانضباط في السلوك  والالتزام بتطبيق القانون دون سواه.  

         من جهة أخرى  فإننا نرتقب  مشاركة حوالي 500 مراقب دولي  خلال الانتخابات التشريعية المقبلة،  سيولون بلا شك  اهتماما خاصا بتقييم المسار الانتخابي.  ولهذا الغرض  يُنْتظر من الجميع الالتزام   والتحلي بروح المسؤولية  و العمل بمهنية  و يقضة  لضمان احترام إرادة الشعب وحماية البلاد من كل التلاعبات.

         وفي هذا الشأن  أتوجَه لكم  ومن خلالكم  لجميع الأعوان المسخَرين من أجل تأطير العمليات الانتخابية،  والمستخدمين الموضوعين تحت سلطتكم  لأؤكَد لكم بأنَكم  تنتمون إلى عائلة شريفة تحمل رسالة تاريخية ونبيلة.

أيتها السيدات ، أيها السادة؛

         إنَ الإدارة الجزائرية  كانت دائما القلب النَابض  للتطوَر الاجتماعي والاقتصادي  وللتنمية بصفة عامة،  وكانت كذلك  في صميم مسيرة المجتمع الجزائري منذ الاستقلال.

تشكَلت هذه الإدارة  بفضل ضباط جيش التحرير الوطني  الذين أخذوا على عاتقهم بناء الإدارة الجزائرية  كوسيلة للأخذ بزمام الأمور غداة استقلال البلاد  وإرساء دعائم دولة مستقلَة.

ثمَ أصبحت هذه الإدارة  بمثابة رائدة معركة البناء والتَشْيِيد  بفضل إطارات وأعوان من نساء ورجال وطنيَين  انطلقوا في بناء البلاد واقتصادها.

ثمَ جاء بعد ذلك  دور إدارة المقاومين، عندما اقتضى الواجب ذلك،  لمواجهة الإرهاب والانحطاط، مضحَين  من أجل بقاء الجزائر حرَة، موحَدة ومستقلَة  "فمنهم من قضى نحبه  ومنهم من ينتظر  وما بدَلوا تبديلا".

أمَا اليوم  فوفاءً لكلَ هذا المسار التَاريخي الحافل بالانجازات،  والتضحيات  والشَهداء،  فإنَ المطلوب من الإدارة  ومسؤوليها  وأعوانها  أن تكون وفيَةً، كما كانتْ بالأمْسْ،  لدورها التَاريخي الرَائد فتدْعَم  وتُكْمِل  بناء هرم الدَولة الجزائريَة  بكلَ روح مسؤولة.

ويندرج برنامج فخامة رئيس الجمهورية ضمن هذا الإطار،  حيث تمَ تطبيق برنامج إصلاح سياسي واقتِصادِي  شامِلْ  ومُتكامِلْ  سمح بـ:

-          تحقيق المصالحة الوطنية،  تثمينا للجهود المبذولة  لاجتثاث جذور الإرهاب الهمجي،  وتعزيز وتوطيد دعائم الأمن  والسكينة  في البلاد؛

-          تدارك العجز الاقتصادي والاجتماعي  ودفع عجلة التنمية  بفضل المخططات التنموية الثلاث الكُبْرى  التي تمت المبادرة بها  والتي بدأت تُؤْتِي أُكْلها؛

-          إرجاع الجزائر لمكانتها  في مصافَ الدَول الرَائدة في محْفلِ الأُمم  وذلك باعتماد دبلوماسية قويَة،  نشِطة،  ووفِيَة لمبادِئِها الثَابِتة.  

وتتويجا لكلَ هذا المسار،  فقد حان الوقت  لتعميقْ  وترسيخْ المسار الديمقراطي للبلاد وصيانة مكتسباته،  من خلال  تحقيق دولة الحقَ  والقانون  وضمان ممارسة الحريَات الفرديَة  و الجماعيَة  وترسيخ روح المواطنة  والمشاركة السياسية المسؤولة  والبناءة،  وهو ما شُرِع في إنجازه  بِفضْلْ الإصلاحات السياسية الكُبْرى  التي شُرِع فِي تنفيذِها.

لهذا الغرض  فالإدارة مُطالبةٌ  بالعمل على تحقيقْ هذا الهدفْ الأسمى  بكل مسؤولية والتزام، وتوفير كلَ الظَروف اللاَزِمة من أجل ضمان انتخابات تشريعية  شفَافة  ونزيهة،  وفرض احترام إرادة الشَعب السيَدة  بتمكينه من اختيار ممثَليه  بكلَ حرية  مع التزام الحياد  والانحياز للقانون وحده دون سواه.

تِلْكُمْ  هي إرادة القاضي الأوَل للبلاد  وتِلْكُمْ  هي ورقة العمل التي أنتم مطالبين بتنفيذها  بكلَ صدق  وأمانة.

 

إنَكم بتحقيقكم لهذا الهدف،  ستكونون قد وضعتم لبِنةً أُخْرى فِي مسار بناء الدولة الجزائرية المستقلَة  وأسْهمْتُمْ  في ترسيخ الدعائم الخمْسْ (05) لبرنامج فخامة السيَد رئيس الجمهورية  التي التزم بتجسيدها أمام الشعب  والتي سبق ذكرها.

أشكركم على حسن الإصغاء